الثعالبي

503

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون ( 105 ) اتبع ما أوحى إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ( 106 ) ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ( 107 ) ) وقوله سبحانه : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) ، أجمع أهل السنة على أن الله عز وجل يرى يوم القيامة ، يراه المؤمنون ، والوجه أن يبين جواز ذلك عقلا ، ثم يستند إلى ورود السمع بوقوع ذلك الجائز ، واختصار تبيين ذلك : أن يعتبر بعلمنا بالله - عز وجل - ، فمن حيث جاز أن نعلمه ، لا في مكان ، ولا متحيزا ، ولا مقابلا ، ولم يتعلق علمنا بأكثر من الوجود ، جاز أن نراه ، غير مقابل ، ولا محاذى ، ولا مكيفا ، ولا محددا ، وكان الإمام أبو عبد الله النحوي يقول : مسألة العلم حلقت لحى المعتزلة ، ثم ورد الشرع بذلك ، / كقوله عز وجل : ( وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة ) [ القيامة : 22 ، 23 ] ، وتعدية النظر ب‍ " إلى " إنما هو في كلام العرب ، لمعنى الرؤية لا لمعنى الانتظار ، على ما ذهب إليه المعتزلة ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه ، وتواتر ، وكثر نقله : " إنكم ترون ربكم يوم القيامة ، كما ترون القمر ليلة البدر " ، ونحوه من الأحاديث الصحيحة على اختلاف ألفاظها ، واستمحل المعتزلة الرؤية بآراء مجردة ، وتمسكوا بقوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار ) وانفصال أهل السنة عن تمسكهم ، بأن الآية مخصوصة في الدنيا ، ورؤية الآخرة ثابتة بأخبارها ، وأيضا فإنا نفرق بين معنى الإدراك ، ومعنى الرؤية ، ونقول : إنه عز وجل تراه الأبصار ، ولا تدركه ، وذلك أن الإدراك يتضمن الإحاطة بالشيء ، والوصول إلى أعماقه وحوزه من جميع جهاته ، وذلك كله محال في أوصاف الله عز وجل ، والرؤية لا تفتقر إلى أن يحيط الرائي بالمرئي ، ويبلغ غايته ، وعلى هذا التأويل يترتب العكس في قوله : ( وهو يدرك الأبصار ) ، ويحسن معناه ، ونحو هذا روي عن ابن عباس وقتادة وعطية العوفي ، أنهم فرقوا بين الرؤية والإدراك ، و ( اللطيف ) : المتلطف في خلقه واختراعه ،